السيد محمد حسين فضل الله
11
من وحي القرآن
ويبقى الغموض في تفاصيل النّبأ العظيم ، لكنّه ليس الغموض الّذي يثير العجب في جعله موردا للسّؤال ، لأنّه معلوم لكلّ أحد ، حتّى أنه لا يحتاج أحد إلى ذكره . نعم اللَّه في تسيير سنن الوجود أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً في ما أودعناه فيها من سنن الوجود وقوانينه فيها ، بما يجعلها صالحة للسكن ، لما تتضمنه من كل لوازم الحياة الضرورية لنموّ الإنسان واستمراره كالغذاء والماء والكساء ، وغيرها من حاجات الإنسان التي تتوقف عليها حياته ، وينطلق فيها دوره المميز في خلافته في الأرض ، وبناء الحياة العامة على الأسس الثابتة التي يريدها اللَّه ، في نظام حيّ متوازن مترابط الخصائص ، متناسق الأبعاد ، بحيث لو اختلّ جزء منه اختلت الحياة لديه في عمقها وحركتها وامتدادها . وهذا هو ما نستوحيه من اعتبار الأرض مهادا ، في ما يتمثل فيها من التمهيد المادي في انبساطها ، ومن التمهيد المعنوي في عناصره الروحية والأخلاقية المتصلة . . فإذا كانت الكلمة لا تفي بمدلولها اللغوي بذلك ، فإنها تدل بمدلولها الإيحائيّ عليه . وَالْجِبالَ أَوْتاداً ، لأنها تثبّت الأرض في الميدان ، تماما كما تثبّت الأوتاد الخيمة وتحفظ توازنها ، وتحول بالتالي ، دون سقوطها متهالكة على الأرض . ولكن كيف يتم ذلك ؟ فهل أنها - كما يقال - تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال ؟ أو أنها تعادل بين التقلّصات الجوفية للأرض والتقلّصات السطحية ؟ أو أنها تثقل الأرض في نقاط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية ؟ أو لشيء آخر مما غاب عنا علمه ؟ وقد يكون التعبير من جهة الصورة الظاهرة التي توحي بها صورة الجبال